الشروحات

سجل الخليج · آخر مراجعة ٤ نوفمبر ٢٠٢٦

الأمن الغذائي في الخليج: كيف تُطعم منطقة صحراوية نفسها

تستورد دول الخليج معظم غذائها. يشرح هذا المقال الأسباب، والمخاطر التي يخلقها ذلك، وكيف تستخدم الحكومات المخزونات والمزارع المحلية والاستثمارات الخارجية لإبقاء الرفوف ممتلئة.

أساسيات · قراءة 6 دقائق

الأمن الغذائي يعني أن يتمكن كل من يعيش في البلد من الحصول بشكل موثوق على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍّ. وتحقق دول الخليج ذلك أساساً بشراء الغذاء من الخارج، إذ تستورد دول مجلس التعاون ما يصل إلى 85% مما تستهلكه. ولأنها دول غنية، نادراً ما يكون دفع ثمن الغذاء هو المشكلة. الخطر الأكبر هو إيصاله، لأن جزءاً كبيراً منه يصل بحراً عبر عدد قليل من الممرات الضيقة. ولإدارة هذا الخطر، تجمع حكومات الخليج بين المخزونات، والزراعة المحلية لأغذية مختارة، والزراعة عالية التقنية، والاستثمار في شركات غذائية في الخارج.

لماذا يستورد الخليج معظم غذائه

تجعل جغرافيا المنطقة الزراعة على نطاق واسع أمراً صعباً. وأبرز العقبات ما يلي.

  • قلة الأمطار الشديدة، وغياب الأنهار الدائمة، وصيف شديد الحرارة.
  • مساحات صغيرة من الأراضي الخصبة.
  • شح المياه. فالمزارع تعتمد على مياه جوفية تتجدد ببطء شديد، أو على مياه بحر محلّاة تكلفتها مرتفعة.
  • نمو سكاني سريع، يشمل جاليات وافدة كبيرة، يحتاج إلى مزيد من الغذاء كل عام.

وتُظهر السعودية ما يحدث عندما تتحدى دولة هذه القيود. ففي ثمانينيات القرن الماضي ضخّت كميات هائلة من المياه الجوفية لزراعة قمحها بنفسها. عزّز ذلك أمنها الغذائي لفترة، لكنها استهلكت ما يصل إلى 80% من مياهها الجوفية القديمة غير المتجددة. ثم قلّصت زراعة القمح بشكل كبير وتحولت إلى الاستيراد، وتهدف الآن إلى خفض استخدامها لطبقات المياه الجوفية غير المتجددة بنسبة 90% بحلول عام 2035.

المال ليس الخطر الرئيسي

تستطيع الدولة الغنية عادةً أن تدفع أكثر من غيرها لشراء القمح أو الأرز أو اللحوم، حتى عندما ترتفع الأسعار العالمية. أما ما لا يستطيع المال إصلاحه بسهولة فهو انسداد طريق الشحن. فنحو 70% من واردات الخليج الغذائية تمر عادةً عبر مضيق هرمز إلى موانئ كبرى مثل جبل علي في دبي. وإذا تعذّر مرور السفن، يضطر الغذاء إلى سلوك طرق أطول وأكثر تكلفة، وقد تتلف السلع الطازجة مثل الفاكهة والخضروات في الطريق.

كيف أعادت قطر بناء إمداداتها الغذائية

تُعد قطر مثالاً واضحاً على دولة أعادت تشكيل منظومتها الغذائية بسرعة. ففي يونيو 2017 قطعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع قطر، وأُغلقت حدودها البرية الوحيدة. نظّمت قطر جسوراً جوية لنقل الغذاء ورفعت إنتاجها المحلي بسرعة. وفي ذلك الصيف نقلت قطر للشحن الجوي أبقاراً حلوباً من سلالة هولشتاين من أوروبا لصالح شركة بلدنا، وهي مزرعة جديدة كانت جزءاً من قطيع مخطط له يضم 4,000 بقرة.

وبحلول عام 2025، أفادت صحيفة الخليج تايمز القطرية بمستويات الإنتاج المحلي التالية.

  • الألبان والدواجن الطازجة: نحو 98% من الاحتياجات المحلية.
  • الأسماك الطازجة: أكثر من 65%، مع هدف 80% بحلول عام 2030.
  • الخضروات الاستراتيجية: 39% في عام 2024، مع هدف 55% بحلول عام 2030.
  • اللحوم الحمراء الطازجة: نحو 14%.

وتحتفظ قطر أيضاً بمخزون استراتيجي من الأغذية القابلة للتخزين الطويل، مثل القمح والأرز والسكر وزيوت الطهي والدواجن المجمدة. وتتولى شركات خاصة تخزين هذا المخزون وتدويره تحت إشراف حكومي.

الأدوات الرئيسية التي تستخدمها حكومات الخليج

تمزج كل دولة خليجية بين عدة استراتيجيات بدلاً من الاعتماد على واحدة. وأكثرها شيوعاً ما يلي.

  • الاحتياطيات الاستراتيجية: مخزونات من الأغذية الأساسية تكفي لتغطية الطلب لعدة أشهر إذا توقف الاستيراد.
  • الإنتاج المحلي حيث يكون منطقياً: تعلن السعودية اكتفاءً ذاتياً كاملاً في الدواجن والبيض والطماطم، وهي أغذية تحتاج إلى مياه أقل من الحبوب.
  • الزراعة عالية التقنية: تزرع المزارع العمودية والبيوت المحمية بالزراعة المائية المحاصيل في أماكن مغلقة بكمية مياه أقل بكثير. ولدى صندوق الاستثمارات العامة السعودي مشروع مشترك مع شركة الزراعة العمودية الأمريكية AeroFarms، وتبني دبي "وادي تكنولوجيا الغذاء".
  • امتلاك جزء من سلسلة الإمداد العالمية: في فبراير 2025 وافقت الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني (سالك) المملوكة للدولة على دفع 1.78 مليار دولار مقابل حصة إضافية في شركة تجارة الحبوب "أولام أجري"، لتصل سيطرتها إلى 80%.
  • تنويع الموردين: الشراء من دول كثيرة حتى لا تؤدي مشكلة في مكان واحد إلى قطع الإمدادات.

وتضع الخطط الوطنية أهدافاً طويلة الأجل. فالاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2051 في الإمارات، مثلاً، تضم 38 مبادرة وتهدف إلى جعل الدولة الأفضل عالمياً في مؤشر الأمن الغذائي العالمي بحلول عام 2051.

كيف اختبرت أزمة 2026 الإمدادات الغذائية في الخليج

يعكس هذا القسم الوضع في نوفمبر 2026.

عطّل النزاع المرتبط بإيران، الذي بدأ في أواخر فبراير 2026، حركة الشحن عبر مضيق هرمز بشدة. وفي مارس أفادت رويترز بأن الشحنات تُحوَّل إلى موانئ خارج المضيق، منها الفجيرة وخورفكان في الإمارات وصحار في عُمان، ثم تُنقل براً بالشاحنات. وقد تبلغ تكلفة النقل بالشاحنات من تلك الموانئ إلى دبي أضعاف تكلفة الشحن البحري، ونقلت إحدى سلاسل المتاجر الكبرى جواً ما لا يقل عن 160 طناً من اللحوم والمنتجات الطازجة. وأعلنت الإمارات أن احتياطياتها الاستراتيجية تكفي لتغطية احتياجات أربعة إلى ستة أشهر.

وحتى أوائل نوفمبر، أحصت المنظمة البحرية الدولية تعرّض ما لا يقل عن 125 سفينة لهجمات في المضيق ومحيطه منذ بدء النزاع، رغم أن نحو 12 سفينة يومياً كانت لا تزال تعبره. وقد جعلت الأزمة الاحتياطيات والموانئ البديلة والطرق البرية جزءاً أساسياً من التخطيط الغذائي.

المفاضلة في صميم القضية

سياسة الغذاء في الخليج عملية موازنة. فزراعة مزيد من الغذاء محلياً تقلل تعرض الدولة لمشكلات الشحن، لكنها تستهلك المياه الشحيحة وغالباً ما تكون أعلى تكلفة. أما الاستيراد فأرخص ويوفّر المياه، لكنه يعتمد على بقاء الممرات البحرية مفتوحة. وقد استقرت معظم حكومات الخليج على طريق وسط: إنتاج الأغذية سريعة التلف محلياً، واستيراد الحبوب والسلع الأساسية الأخرى، والاحتفاظ بمخزون يكفي لتجاوز أي صدمة.

أبرز النقاط

  • تستورد دول مجلس التعاون ما يصل إلى 85% من غذائها بسبب محدودية المياه والأراضي الزراعية والأمطار.
  • الخطر الرئيسي ليس دفع ثمن الغذاء بل إيصاله، خاصة عبر مضيق هرمز.
  • تجمع الحكومات بين المخزونات، والزراعة المحلية للأغذية سريعة التلف، والزراعة عالية التقنية، والاستثمارات الخارجية.
  • أجبرت أزمة هرمز في 2026 المستوردين على تحويل الغذاء عبر موانئ خارج المضيق والاعتماد على الاحتياطيات الاستراتيجية.